محطة المنتهى


مواضيع متنوعة
 
الرئيسيةالبوابةأحدث الصورالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر

 

 محطة المنتهى

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الوردة المتفتحة
عضو
عضو
الوردة المتفتحة


الجنس : انثى
المشاركات : 47
المـكـان : الاردن
نقاطي : 70

محطة المنتهى Empty
مُساهمةموضوع: محطة المنتهى   محطة المنتهى Emptyالخميس 7 يونيو - 11:38


محطة المنتهــــى



ظهيرة شتوية دافئة ، السماء كئيبة ، متجهمة تكاد تذرف . الشارع طويـــل ، طرفه الشمالي منحدرٌ بعيد ، تحده حافة بحر ساكن .

تحت
مظلة آخر محطة للحافلات ، كانت سراب تقف بين الواقفين ، ترقب بكل عناية
عيون المارة و خاصة من الرجال . تروح و تجيء أحيانا ، قلق بارز يلهو بسكينة
ملامحها كل حين ، إذ لا يلبث أن يجعل من زفرة اليأس تنبجس من صميم فؤاد
منكسر .


كانت تبدو لمن حولها و كأنها على استعجال من قدوم الحافلة ، لكن ، حافلات شتى أقلعت و لم تركب ، و أخريات قادمات و لن تفعل أيضا .

هي لا تنتظر الأوتوبيس ، بل الفرس المجنح الأبيض ، هي على موعد مع فارس أحلامها الافتراضيّ .. في نفس المكان و الزمان .

ذلك
المعطف الكستنائيّ الفاتح الذي يلفّ بدنها الضامر ، ذلك المنديل الأصفر
التبنيّ الذي تقارب صفرته صفرة وجهها الترابيّ ، هما العلامة الوحيدة التي
تمكّن فارس الأحلام من تمييزها من بين الحشود المنتظرة .


هي
لا تعرف شكله ، و هو أيضا لم تـُتح له الفرصة لإلقاء نظرة عابرة على
مظهرها ، رغم مرور سنة على تعارفهما على النيت . أو بالأحرى ، على ذلك
المنوال اِتفقا منذ بداية العلاقة .. على أن تبقى الهوية و الخصوصيات في
خانة التحفظ إلى أجل مسمى .


سراب
، هو إسمها المستعار ، طوال عواصف سنواتها الثلاثين ، لكم راودها الحنين
إلى نشوة ربيع زهرته يبللها الرحيق ، لكم تضرعت بين يدي الخالق على أن يبدد
عنها سحابة الشؤم ، مثلما الرياح في العلياء تبدد كتل الغيم .


قبل
سنوات ، كثيرون هم من تقدموا لخطبتها ، و كثيرون هم أيضا من أطلقوا
لخطبتها بدل الزغاريد ، صفيرا لا يختلف عن نعيق الأبوام .. فيعود الطارق من
حيث أتى ، إذ لا تلبث الفتاة أن تجد نفسها مرة أخرى تصارع النحس في بركة
تغمرها الأوحال ، ثم جاهدة تطلع منها كما الشبح المنبثق من دهاليز الموت .


بعد
شتى التجارب الحميمة التي باءت بالفشل ، اِختارتِ الفتاة بوابة الوهم بعد
خذلان اليقين . على الفايسبوك ربطت علاقة من نوع آخر غير معهود ، علاقة مع
شخص ما مناجاته اليومية الدافئة دحرت عنها نكبات عتيق الأيام ، شخصيته
الهادئة إنما تنم عن رجل متزن و رزين .


أثناء
هذه العلاقة تمكنت سراب من اِسترجاع اسقرارها المفقود ، خيل إليها أنها
حقا تقع في حبّ رجل يختلف عن الآخرين ، لم لا ، و آخر مرة قبل تحديد موعد
لقاء المحطة ، كتب لها مناجيا على النيت يقول :


" ألا يا حبا بات في الفؤاد نخلة رافلة تعلو و تسمو ..!

عندما
يأتي المساء ، تقذفني الغبراء و يقلني السحاب ، يدحرني اليقين و يعانقني
السراب .. ما من غدير هنا ينعش ضمأ السنين العجاف ، سوى أن الأثير ، قد أتى
بك عبر الدبدبات متوجة برذاذ السلسبيل ، و رحيق العبير ، يا من السحر
ينساب من يراعها وعلى الأفئدة يرسو ، يا من البسمـة من ثغرها تخترق الأثير ،
و على شاشة الحبــيب تطفو .


ألا يا حبا زهرته أينعت في بيداء تشتعل ..!

عندما
يأتي المساء ، من وراء شاشة البلور نبضات القلب تخفق ، يراودها الحنين
إليك ، فتناجي المغيب . و العصفورة من وراء سرب الأطيار تسعى ، صوب دفئ
رتيب ، و وصال يطيب .. يا من أخالها شقراء من ذوات العين الزرقاء ، يا من
رسمتُ لها صورة من ذوات الخدّ المحتقن بلون الشفق ، معتدلة القدّ رشيقة
البدن ، كما الظبي الصبوح بين مروج الدّغل .


ألا يا حبا في القلب لن يندثــــر ..!

يوم
تلمحك العين سوف تسمو ثقتها بالعقل ، حيث يكون قد أفلح في تشخيص شخصك و
شخصيتك قبل رؤياك ، و حتى و إن أخطأ في ذلك حبيبتي ، فوعــدٌ آخر مني يعدك ،
أن العهد القائم بيننا لن ينكســـــر . "


لا
زالت سراب في انتظار فارسها في محطة المنتهى ، جبينها بدأ يتفصد عرقا خوفا
من عدم قدوم الحبيب ، لكن هاجسا في الأعماق راح يردد لها كل حين :


" يا بنية ..! ما دام في العمر بقية ، فلتتركي للرجاء مكانة في الروح شاسعــــة ، و لتحجزي للأمل مرتبة في القلب واسعة . "

في
هذه اللحظة من بعد الظهيرة ، قليلون هم من ينتظرون قدوم الحافلة ، ليس
هناك إلا شيخا عجوزا بقامة محنية و نظارات مربعة ، يجلس على أريكة الانتظار
متصفحا جريدته ، و إلى جانبه بضع فتيات يرتدين زيّ المدارس .


فجأة ظهر على الساحة رجل كهل أنيق ، يكاد لا يتجاوز عقده الخامس .

غير بعيد عن سراب ، وقف عن يمينها تحت
مظلة المحطة ، اهتز قلبها لرؤيته ، ملامحها تغيرت وأصابعها تشابكت ، رغم
ذلك راحت تسترق النظرة تلو الأخرى ، لكنّ الرجل راح يحوم بنظراته حولها فقط
، دون أن ينبس ببنت شفة .


شاب آخر قوي البنية أسمر البشرة ، دنا ليقف بدوره إلى جانبها الأيسر ، من خلال ملامحه ، يبدو مترددا
و كأنه يريد محادثتها في شيء ، التبس الأمر على الفتاة ، باتت هذه المرة
تختلس النظر يمنة و يسرة ، لم تعد تدر أي التصرفات تليق بموقفها الحرج هذا
..." - رباه !! يا لهذه الغلطة الفادحة ! كان عليه أن يعطيني علامته الخاصة
به ، فأميزه من بين الحشود بدل أن أفعل ذلك .."


في محاولة منها لتجاوز المحنة ، أشاحت بوجهها عن الطرفين .

قررت سراب أن تغادر المكان ، لكن ، سيارة حمراء وقفت عند أقدامها ، نزل منها شاب وسيم في مثل عمرها ، تطفح الابتسامة من على محاياه .

بوجه بشوش خاطبها : " من فضلك سيدتي الجميلة ، هلا دللتني على مدرسة الحجاج بن يوسف ..؟ "

نظرت إليه بنظرة لا تخلو من توتر فقالت : " ليت حجاجك هذا لا يقطف آخر زهرة تينـــع في بستاني .."

قال مبتسما كمن يعرفها منذ زمن : " سألتك فلم تجيبي ، فكري جيدا ، أحقا تريدين مني الرحيل ؟ "

حدقت
في عينيه برهة ، ثم ساورها الشك في أن يكون الواقف هو فـــارس أحلامها ،
تقدمت منه قليلا ، و بنبرة الترجي همست لـه : " أرجوك أدخل في صلب الموضوع ،
انا في عجلة من أمري ، يجب أن أعود للتو إلى المنزل "


رد الفتى مبتهجا : " حسنا جميلتي ، تكفيـكِ مئتي درهم مقابل علاقة طفيفة . "

أواااه
..! اِستشاطت الفتاة غضبا ، اِرتعدت أوصالها لفظاعة ما سمعته ، رغبة منها
في دحر أجيج الغضب المتصاعد ، صفعته بكل قواها على خده ..


حاول
بدوره أن يصفعها لولا تدخل الكهل الأنيق و الشاب الأسمر اللذان كانا يقفان
بمحاذاتها ، و حتى العجوز المسكين قام بدوره من على الأريكة ملوحا بعصاه
تجاه المعتدي ، بل أمسك بيد الفتاة الباكية ليجلسها على الأريكة ، مدّ لها
منديلا ورقيا مواسيا إياها قائلا : كفاكِ بكاء يا صغيرتي ، فلتتركي الكآبة
للغيوم الداكنة "


كعادتها كل مساء جلست سراب على النيت رغبة في الاتصال بفارسها ، لم تجد هناك غير رسالة قصيرة كتبها للتوّ يقول فيها :

"
كفاكِ بكاء يا صغيرتي ! فلتتركي الكآبة للغيوم الداكنة ! خوفي من لقياك
كان في محله ، و إلا لكانتِ الصفعة من نصيبي . أرملٌ وحيد يضنيه الخريف ،
أبت نفسه إلا أن تموت بين أحضان الربيع .. لكِ قلبي ، لكِ عمري ، لكِ متاعي
، و لك الاختيار. أما أنا ، فقصدي شريف ، و على العهد القائم بيننا محافظ
غير ناكث ."

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
محطة المنتهى
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الملاك :: [ مـنـتـدى الـمـلاك الأدبــيـة ] :: مـلاك القصص و الحكايات-
انتقل الى: